محمد بن وليد الطرطوشي
86
سراج الملوك
وتعظيما له ، وتشاوروا في أمره ، ما يحدثون له من الكرامة ، ثم أجمعوا أمرهم أن لا يدفنوها تحت الثرى ، وأن يحملوها فوق أكفّهم ، فغسلوها وكفّنوها وجهّزوها وصلّوا عليها ، ثم أقبلوا يحملوها على الأكفّ والسواعد ، كلما ضجر واحد جاء واحد يحمل مع من يحمل ، وكل من انقطع في الدير لعبادة ربّه جعل يحمل معهم ، إلى أن بليت ، وتقطعت أو صالها مع طول الزمن ، فدفنت حينئذ ، رحمة الله عليها . * * * من يفتخر بما يفنى كمن يفتخر بما يرى في المنام « * » : وكان في بلاد الروم مما يلي أرض الأندلس ، رجل نصرانيّ ، قد بلغ في التخلّي من الدّنيا مبلغا عظيما ، واعتزل الخلق والتزم قلل « 1 » الجبال ، والسياحة في الأرض إلى الغاية القصوى ، فورد على المستعين بن هود « 2 » في بعض الأمر ، فأكرمه ابن هود ، ثم أخذ بيده ، وجعل يعرض عليه ذخائر ملكه ، وخزائن أمواله وما حوته من البيضاء والحمراء ، وأحجار الياقوت والجواهر وأمثالها ، ونفائس الأعلاق « 3 » والجواري ، والحشم « 4 » والأجناد ، والكراع « 5 » والسلاح ، فأقاموا في ذلك أياما ، فلما انقضت ، قال له : كيف رأيت ملكي ؟ قال : قد رأيت ملكا ، ولكنّه يعوزك فيه خصلة ، إن أنت قدرت عليها ففيها نظام ملكك ، وإن لم تقدر عليها فهذا الملك لا شيء ، قال : وما تلك الخصلة ؟ قال : تعمد فتصنع غطاء عظيما حصينا قويا ، وتكون مساحته قدر البلد ، ثم تكبّه على البلد حتى لا يجد ملك الموت مدخلا إليك ، فقال المستعين :
--> * من إضافات المحقق . ( 1 ) قلل الجبال : رءوسها وأعلاها . ( 2 ) المستعين بن هود : سليمان بن محمد بن هود أمير سرقسطة ولاردة والثغر الأعلى ومؤسس دولة بني هود في بعض أقاليم الأندلس ، توفي سنة 438 ه ، بعد إن قسّم مملكته بين أولاده الخمسة : ( أحمد ، يوسف ، لبي ، المنذر ، محمد ) ، وقد انتزع أحمد من أخوته ما بأيديهم واستولى على مدنهم ، ثم سجنهم وسمل أعينهم . ( الأعلام 3 / 132 ) . ( 3 ) الأعلاق : النفيس من كل شيء لتعلق القلب به . ( 4 ) الحشم : حشم الرجل من يغضبون له ، أو يغضب لهم من أهل أو عبيد أو جيرة . ( 5 ) الكراع : اسم يطلق على الخيل والبغال والحمير وغيرها من الدواب . كما يطلق على آلة الحرب .